قَبَـساتٌ وكَلمَاتٌ حَـوْلَ: السَّـماعِ والإِجَـازَات!
كتبها / محمود حمدان
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آلهِ وصحبه، ومَن تَبِع هداه، أمَّا بعدُ:
فمعلومٌ أنَّ العلمَ مبناهُ على: كتاب الله -جلَّ في عُلاه-، وعلى سُنّة عبد الله ومولاه رسول الله ﷺ، وبما أنَّ علومَ الوحيَيْن -لعظمهما- مُتشعِّبةٌ، ومُتفرِّعة، كان من شُعَبِ (علم الحديث) الكَثيرةِ الوفيرةِ علم: (الرِّواية) وفائدته أنَّه: بابٌ للدِّراية التي هي الغاية مِن علمِ الحديث!
والأصلُ في الشَّادي والمُنتهي أن يَحرصَ على: الحِفظ، والسَّماع والقراءة على الشُّيوخ، ولا إِخال الفَطِنَ اللَّبيب يجهل مَنافع وفوائد: قراءة، وتَرْدَاد، وسماع، وإسماع حديث النبي ﷺ؛ خاصَّةً على الشيوخ الذين هُم كالمَشعل في الظُّلمة، والذينَ اتّصلت أسانيدهم وانتظمَت في عِقدٍ مُذهَّبٍ مُنتهاهُ المُعلِّم الأول ﷺ في حلقةٍ لا انقطاع فيها! هذا في قضيِّة (السَّماع والإسماع والقراءة).
أمَّا بابُ (الإجازة) المُجرّدة فهو دون الأول؛ فمِن فوائده: شرف الاتّصال، وتكثير الشُّيوخ، ومعرفة الأسانيد المُؤدِّية لأَسْفَارِ العلم!
فالإسماعُ تحديدًا؛ سُنَّةٌ ماضيةٌ، وطريقةٌ هاديةٌ، أثريةٌ عالية؛ ففي المأثور عن النَّبي ﷺ: «تَسْمَعُونَ ويُسمَع مِنكم، ويُسمع مِمَّن سمِعَ مِنكم ..» رواه أبو داود بسندٍ صحيح.
ومَن تتبَّعَ سِيرَ علمائنا الأعلام في هذا المِضْمَار فإنَّه يعجب أشدَّ العجب؛ فهذا الحافظُ الخطيب البَغداديُّ (ت463هـ) تغمَّده اللهُ برحمته يَقرأ: «صحيح البُخاري» بتمامه على شيخه إسماعيلَ الحِيريِّ في أيَّامٍ معدودات!
ومَن طالع ترجمة الإمام النَّووي (ت676هـ) عَلِمَ أنَّ مَسموعاته عمَّت كُتبَ السُّـنَّة والعِلم؛ فقد سمع على شيوخِه: «سُنن النَّسائي»، و«مُوَطَّأ مالك»، و«مسند الشافعي»، و«مسند أحمد بن حنبل»، و«الدَّارِمي»، و«أبي عوانة الإِسفراييني»، و«أبي يعلى المَوصلي»، و«سنن ابن ماجه»، و«الدَّارَقُطنِي»، و«البَيهَقِي»، و«شرح السُّنَّة» للبَغَويِّ، و«معَالِم التَّنزِيل» للبَغَوِيِّ في التفسير، وكتاب «الأنسَاب» للزُّبير بن بَكَّار، و«عَمَل اليوم واللَّيلة» لابْنِ السُّنِّي، و«آداب السَّامع والرَّاوي» للخطيب البَغدادي، وأجزاء كثيرة غير ذلك! –كما في ترجمته $- .
ومَن تأمَّل في حياةِ شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) $ يجد أنَّ من أصولِ تكوينِه العلمي ونبوغهِ = التبكير في سماع الحديث وقراءته على الشيوخ، يدُلُّك على ذلك طِباق السَّماع الذي كَتَبه بنفسه وهو فويق العاشرة! بل سماعه لـ«مسند أحمد» على الشُّيوخ، لا أقول مرَّة؛ بل مرَّات -كما ذكرَ البَزَّارُ في ترجمته-.
كما أنَّه والعُلماء الأعلام: المِزّي والذهبي والعلائيّ وابن كثير رحمهم الله احتشدوا للسَّماع على رجلٍ عاميٍّ، لكنّه حاز السَّندَ العالي، وهو أحمد بن أبي طالب الحجَّار $، وما كان ذلك منهم عبثًا.
أمَّا الإمام العسقلاني ابنُ حجرٍ (ت 852هـ) $ فقد قرأ: «صحيحَ البُخاري» على شيخه في عَشْرةِ مجالس!
ثُمَّ؛ مَن عَلِمَ خَبرَ الإمام الشَّوكاني اليَمانيّ الذي كانَ يُقرِئ: «الكُتب السِّـتَّة»، و«مُستدرك الحَاكِم» في شهر رمَضان؛ بل في ليالٍ منه = زادَ عجبُهُ!
والمتتبع للتاريخ الإسلامي يجد أنَّ مجالس السماع والتَّحديث بقيت ماضية في أهل العلم إلى أن استغربت مع وقت غُربة السنة!
وأهلُ زماننا -على ضعف الهِمَم- كانَ لهم في السِّياق سِباق؛ فهذا الإمام الجَمَال القاسمي الدِّمشقيّ $ قد أسمعَ: «صحيح مُسلم» روايةً ودرايةً في أربعين يومًا!
بل إنَّ الشيخ العلامةَ ابن باز $ أسمعَ: «سنن النَّسائي» روايةً ودرايةً، في تسعةٍ وعشرينَ يومًا، كما نقلَ ذلك تلميذهُ صالح العراقي -انظر: «الإنجاز» (ص125)- .
وكذا مجالس «المُوطَّأ» التي عُقدت في مدينة النَّبيِّ ﷺ في السَّنوات المُنصرمة على المحدِّث العلامة حمَّاد الأنصاريّ $.
وما خبر مجالس شيخِ الحنابلة ابن عقيل $ عنَّا ببعيد!
وهل عزَّت السُّنة بالهند في العصور المتأخرة إلا بانتشار مجالس الحديث؟ حتى صار علماؤها قِبلة الوُرَّاد، وكعبة القُصّاد!
وهل كان مشروع الإمام الألباني: «تقريب السُّنة بين يدي الأمة» إلا للوصول لنفس النتيجة؟!
ومِن جميلِ ما أخبرنا به شيخنا مُحدِّثُ مكة، عبدالوكيل الهاشمي نضَّر اللهُ وجهه -أثناء مجلس «الصَّحيحين»- أنَّ والده العلامة عبدَ الحق الهاشمي $ وهو مِن شيوخ العلامة ابن باز- جَزَّأ «صحيح البُخاري» إلى ثلاثين جُزءًا؛ ليجعل له وِردًا يوميًّا مع القُرآن كُلّ يوم! وأنَّ مجالسه في الحرمِ المَكِيِّ للتحديث به لم تنقطع، وكان مِن جملة مَن حضر عليه: تلميذه ابن باز –رحمَ اللهُ الجميعَ- .
وفي أيَّامنا هذه كمْ مِن مَجلسٍ يُسمع فيه حديث النبي الهادي استشعرته القلوبُ فأنبتَ فيها بإذن الله الكَلَأ النافِع؟!
تَجرِبَتِي الشَّخصيَّة:
فاللهُ يَشهدُ أنَّي عاينتُها بنفسي، ولامستُ فوائدها، ودُرَرها، وأجواءها الإيمانية وكأني لم أعشها مِن قبلُ! فضلًا عن أنَّه لولاها لم أقرأ أسفار السُّنَّة كاملةً تامَّة!
فاللهُ يَشهدُ أنَّي عاينتُها بنفسي، ولامستُ فوائدها، ودُرَرها، وأجواءها الإيمانية وكأني لم أعشها مِن قبلُ! فضلًا عن أنَّه لولاها لم أقرأ أسفار السُّنَّة كاملةً تامَّة!
ولا أَنسى ذلكَ المجلسَ المَهيب الذي عِشناه مَعَ حَدَّثنا وأنبَأنا، ولم تَفْتُر الألسنة فيه عن الصلاة على الحبيب ﷺ، وقد وردَ فيه ذكر حديث الإفك، وبراءة أُمِّنَا عائشة؛ فَغَصَّ المَجلسُ بالبُكاء والنَّحيب والتَّأثُّر!
وذيَّاك المَجلس الذي قُرِأَ فيه حديث كعب بن مالك –عليه الرِّضوان- وتوبته التي أنزلها الرَّحمن، وكم تأثَّرت الجُموع لذلك فارتقينا بها هام الفراقد, وبلغنا همَّةً صرحَ الأماجد! وعَمِلت في فؤادي –تالله- عمَل الغيث الهَتُون في الأرْض الصَّحْصَح؛ والمنةُ في ذلكَ لله، ولا عجبَ؛ فهو كلامُ خيرِ البريَّة عليه أفضل صلاةٍ وأزكى تحيَّة!
علاوةً على الفوائد التي تُستفاد مِن: تعليقٍ، وتنكيتٍ مِن الشَّيخ المُسْمِع على الكتاب المقروء، وقد دوَّنتُ مِن ذلك بضعة دفاتر؛ يسَّر اللهُ الانتفاع منها.
وبعدَ هذه الأنباء عن أيام أسلافنا، وأيامنا التي زَخرت بها المجالسُ بإسماع حديث خيرِ الوَرى ﷺ استقرَّ عندي أنَّ النَّاس في هذا على ضِربين:
- (قومٌ أدركوا السَّماع فصيروه إمامَهم!
- وقوم فاتهم السَّماع فَصَوَّبُوا إليه سهامهم!)
والقليلُ مَن يتوسَّط!
ولا نُنْكِرُ أنَّ البعضَ جعلَ سماع الحديث والحصول على الأسانيد فيه مطِيَّة ليُصبح –بالباطل-: شيخًا، مُحدِّثًا، مُسْنِدًا .. الخ! وكذا جميع أبواب العِلم إن طُلِبَ لغير الله، فالكلام هنا كما هناك سواءٌ بسواءٍ!
ويُعاب بلا شكٍّ على مَن صرف كُلَّ وقته في الرواية؛ فلو اشتغل بالدراية ولو بربع ما يبذله للرواية؛ لحصَّل خيرًا كثيرًا طيّبًا مُباركًا فيه .
وفي المُقابل؛ فإني لأخجلُ عن ذِكر قصَّة طالب العلم ذاك الذي لا يُتقن قراءةَ حديث النبيّ ﷺ قراءةً صحيحة؛ ومَعَ ذلك فهو طالب علم!
وكذا للإنصاف لِما رأيناه مِن واقع بعض الأصناف فلا يفوتني التَّنبيه بأنَّ وُلوجَ هذا البَاب ليس بمُبرِّرٍ ألبتةَ لتمييع عقيدةَ الولاءِ والبَراء؛ مع: القُبوريين، وغلاة الصُّوفيين، وغيرهم ممَّن تحصَّلوا على الأسانيد وهم بمبعدةٍ عن النَّهج السَّديد!
وللاستزادة فدُونكَم ما خطَّه الشيخُ صالح العُصيميّ -زادهُ اللهُ توفيقًا-: «الغَاية مِن السَّماع والرِّواية» فأحسبُ أنّ فيه تكميلًا لكُلِّ نبيل، وتنبيهًا لكُلّ نبيه.
وأختم مقالتي بحقيقة أقولها لله -تعالى-:
مِن فضلِ اللهِ –سبحانه- على أهل الحديث الأثريين أنْ قيَّضَ لهم في هذه الأزمان جملةً صالحةً مِن أهل العلم والحديث: يُسندون، ويُقرئونَ، ويُسْمِعون، ويُجيزون، بعدَ أنَّ ظلَّ هذا العلم دهرًا حبيسَ أيدي غلاة الطرقيّة المُتصوِّفة وغيرهم المُخالفين! لِمَا أن البعضَ زهِد فيه وزهَّد .. فهل ستعود كرَّة التَّزهيد في هذا الخير؟
وقد قيل للإمام الجليل أحمد بن حنبل $: إن قومًا يكتبون الحديث، ولا يُرى أثره عليهم، وليس لهم وقار، فقال: «يَؤولُون في الحديثِ إلى خَيْرٍ».
ومَن يقرأ كتاب الشيخ د. عبدالرَّحمن الفريوائي حفظه الله: «جهودٌ مُخْلِصة في خدمة السُّنَّة المُطَهَّرَة» ينشرح صدْرُه، وينبسط أمرُه إن شاء الله.
أعلى اللهُ مَقامكم، وشَّرفكم بالعلم والعَمل.
29ذو القَعْدة 1433هـ
ثمّ أعدت النّظر فيها:
2 شعبان 1438هـ

0 التعليقات:
إرسال تعليق